محمد ابو زهره
11
خاتم النبيين ( ص )
الوجود بأوهام توهموها ، وأساطير اكتتبوها ، فكانت الزرادشتية التي تفرض أن الوجود له إلهان إله الخير وإله الشر ، وأن كليهما يتنازع النفس الإنسانية والكون وما فيه . وإن هذا - بلا ريب - باطل لا أصل له من دين ، ولكن قد يقال إنه تحريف لدين سماوي ، كان يدعو لعبادة الله تعالى واحده ، ولا مانع من ذلك عقلا ، وقد وجد في بعض كتب ذلك بقايا تبشر بمحمد عليه الصلاة والسلام ، وقد قال تعالى : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ « 1 » . ولكن نجد بجوار ذلك مذهبا اجتماعيا خطيرا يدعو إلى القوة ، وأنه لا عبرة بالضعفاء ، وأنهم لا يصلحون للبقاء ، فالحق مع القوى دائما ، والباطل مع الضعيف دائما ، فقانون الحياة يعمل للأقوياء على الضعفاء ، ويجب أن يبقى الأقوياء ، وأن يفنى الضعفاء ، فلا إيمان بالعدل ، وإنما الإيمان بالقوة . المانوية : 5 - ثم كان بفارس أيضا مذهب يحسب أن الوجود الإنسانى كله شر يجب ألا يبقى ، بل يجب العمل على إفناء الإنسان ، وهو مذهب ( مانى ) وعقيدته تسمى المانوية ، فهو مذهب يدعو إلى الفناء . ولذلك يمنع الزواج ، حتى لا يكون تناسل ، وينتهى ذلك الإنسان الذي اعتبر وجوده لعنة في الأرض ، وما دام الإنسان في الإنسال مستمرا ، فإن اللعنة الإنسانية مستمرة ، وكأنه يحسب أنه نزل إلى الأرض بخطأ ارتكبه أبوه ، فالخطيئة باقية بوجوده . المزدكية : 6 - وبعد ذلك جاء المذهب المخرب ، كان مذهبا اخر يحل الواحدة الإنسانية ، والعلاقة الفاضلة ، وهو مذهب ( مزدك ) الذي انتشر في فارس ، وأساسه إباحة النساء ، فلا زواج ولا ارتباط ، بل يسافد الإنسان كما يسافد الحيوان من غير أي قيد من رابطة حافظة للأنساب ، وراعية للطفولة المقبلة ، كما أباح الأموال ، فلا ملكية تحمى إنسانا ، من إنسان ، بل كل الأموال مباحة للجميع من غير أي نظام ، فهو يمنع القيود فيها كما يمنع القيود في النساء . وجملة هذا المذهب أنه يبيح الانطلاق من كل قيد ، كما أن الحيوان في البادية أو الغابة منطلق ، لا يقيد إلا بقوة غير التي ترسم له حدا لا يتعداه . والوهم الذي قام عليه ذلك المذهب أنه زعم أن الشحناء والبغضاء تتوالدان من احتياز النساء بالزواج أو نحوه ، واحتياز المال بالملكية ، ويحسب أنه إذا زالت روابط الزوجية ، وزالت الملكية للأموال يكون الناس في
--> ( 1 ) سورة فاطر : 24 .